كيف تتغلب على شعورك بـ "عدم الثقة" رغم نجاحك؟

  • كشفت بحوث استغرقت عشرات السنين، وشملت كبرى الشركات العالمية، عن نوعية معينة من العاملين يتسمون بقدرات استثنائية، فضلا عن طموح جم، لكنهم يعتقدون دوما أنهم غير أهل للمهمة الموكلة إليهم! "أشعر دائما أنني بحاجة لإثبات استحقاقي للمنصب وقبل كل اجتماع ينتابني الخوف من أنني.. سأبدو كأحمق، وأن الناس سيعتقدون أنني لست أهلا لما أنا فيه، وأنني خاو من أي محتوى!" هكذا يعبر جيرمي نيومان عما يساوره، وحتى وقت قريب شغل جيرمي منصب كبير المدراء الدوليين لشركة "بي دي أو"، وهي من بين كبريات شركات المحاسبة في العالم، واليوم يرأس هيئات حكومية بارزة فضلا عن مؤسسات أخرى مرموقة. وهو شخص ناجح مهنيا بكل المقاييس، ومع ذلك لم يمنعه نجاحه من أن يكاشفني بما يساوره من مخاوف بعدم أهليته للعمل! وليس جيرمي وحده من ينتابه هذا الشعور، فخلال ربع قرن أمضيته في البحث في الريادة والخدمات المهنية ضمن الشركات القانونية والمحاسبية وفي مجال الاستشارات والمصارف الاستثمارية، صادفني العديد من الشخصيات المتقدة الناجحة والتي تبدو واثقة حتى يكشف أصحابها عما يعتمل داخلهم من شعور بعدم الثقة. ويمكن وصف هؤلاء بأنهم "ناجحون تنقصهم الثقة" من ذوي القدرات الاستثنائية والطموح الجم، لكنهم يعتقدون دوما أنهم غير أهل للمهمة. وحينما تحدثت في كتابي الأخير "رواد المهنة: النفوذ والسياسة والموهبة" عن "الناجحين الذين تنقصهم الثقة"، وجدت استجابة لم أكن أتصورها من شخصيات عدة في مختلف أنحاء العالم ممن يعملون بشتى القطاعات، ويرون أن ذلك الوصف بفقدان الثقة ينطبق عليهم. ولا يولد الشخص الذي يتصف بهذه الصفة كذلك بل يصبح كذلك، وإن بدأت بوادر تلك الشخصية مبكرا من الطفولة، حين يشعر صاحبها بنوع من عدم الأمان نفسيا أو ماليا أو حتى جسديا. ومثال ذلك طفل يتعرض والداه فجأة لعوز مالي دون مقدمات، وحين يكبر يجد نفسه مدفوعا لكسب المزيد والمزيد من المال دون أن يشبع أبدا، خشية من العوز مجددا. وهناك أطفال آخرون لا يثني عليهم ذووهم، ولا يثمنون إنجازاتهم إلا حين يتفوقون، وربما تصحبهم آثار ذلك طيلة حياتهم لأن خوفهم أصبح جزءا أصيلا فيهم. وكثيرا ما يبادر أشخاص مثل هؤلاء لشغل وظائف بشركات رفيعة يتمناها الحاصلون على درجات إدارة الأعمال في أنحاء العالم. وحين ينضم الشخص لوظيفته المرموقة تقول له الشركة: "نحن رواد المجال وباختيارنا لك للعمل معنا تنال أيضا الريادة"، ويجد المتشكك في قيمته في ذلك أمرا عظيما - حتى يستبد به القلق من فقد الوظيفة لعدم ارتقائه لتلك التوقعات. وتعزز منظومة التقييم والتحفيز في تلك الشركات من الشعور بالخوف، فالترقية تخضع لمنافسة شديدة، والأسوأ أن الشركة لا تكشف عن الأساس وراء اختيار المترقي. وتقول ألكسندرا ميتشل، الأستاذة بجامعة بنسيلفانيا، وقد درست خلفيات العاملين بالمصارف الاستثمارية حياتيا ومهنيا: "المكافأة باختلاف أنواعها في نهاية العام تعتمد على تقييم العامل قياسا بالآخرين، دون إطلاع العامل على نوعية الأداء، بل يعلم الموظف أن زملاءه شديدو الذكاء ومنغمسون في العمل بكد ومثابرة". ويدرك العامل حينها أنه يخضع للتقييم بمقارنته مباشرة بزملائه. ولأنه غير مطلع على أداء زملائه الفعلي يضع لنفسه مقاييس ضخمة لضمان تفوقه في كل الأحوال. ولأن هذا هو ما يفعله العامل، مثل بقية أقرانه أيضا في تلك المنظومة، فالمقاييس تتضخم أكثر فأكثر، مما يتطلب من الجميع العمل أكثر فأكثر. وينطبق هذا النمط باستمرار على الشخص الذي يوصف بـ "الناجح الذي تنقصه الثقة". وخلال بحثي أجريته، وصف أحد المسؤولين الكبار بشركة استشارية اثنين من زملائه قائلا إنهما "يتوقعان دوما أنني سأقول لأحدهما: 'آسف أداؤك غير مناسب. عليك ترك الوظيفة'... وحينما أقول لأحدهما: 'هل جننت! لما لا تترك العمل في وقت مبكر لقضاء الوقت مع أسرتك؟' يأتي الرد: 'كلا كلا! علي أن أعمل!'" وكثيرون من الموظفين الصغار يرون رؤساءهم يعملون على هذا النحو، ومن ثم يعتقدون أن هذا هو السبيل للترقي مثلهم، وهكذا يتكرر النمط ويترسخ. وقد يأتي ذلك بنتائج إيجابية. ويشبه ديفيد مورلي - الذي كان حتى وقت قريب شريكا دوليا رفيعا بشركة "آلان آند أوفري" الدولية للاستشارات القانونية - وضع المحامي المسؤول عن صفقة مهمة لشركته بأنه كلاعب السيرك المدفوع دائما في الحلبة لتحسين الأداء والإبهار. ويقول عن ذلك المثل: "الأداء الجيد الممتع يضيف لذة خاصة حين يرى ما حققه (ذلك المحامي) للشركة من رقم ضخم في نهاية الصفقة دفعه العميل ممتنا، ويكون الرقم دليلا ملموسا على ما أضافه ذلك الموظف من قيمة. ثم يرن الهاتف وتأتي المأمورية التالية، ويصبح الأمر كعقار يبعث على النشوة، وكلما تميز الأداء زادت المكافأة". لكن حين يتطرف الأمر، تدفع تلك الساعات الطويلة من العمل، والتحفيز المستمر لإنجاز المزيد من المهام، الموظف إلى المعاناة من مشكلات صحية وعقلية خطيرة، وما قد يبدأ بالإنهاك البدني أو العقلي، قد ينتهي بأوجاع مزمنة، وبالإدمان، واضطرابات الأكل، والاكتئاب، وما هو أسوأ! فلو كنت من أولئك "الناجحين الذين تنقصهم الثقة" فما هو العمل؟ كما سبق وقلت فجذور الأمر نابعة من الطفولة، ومن ثم ليس بالإمكان فعل الكثير لتغيير ما مضى، ولكن بوسعك تغيير الطريقة التي تتجاوب بها مع الأمر. أولا: عليك معرفة الأمور التي تثير فيك الشعور بعدم الأمان. لاحظ الطريقة التي تسعى بها المؤسسة لاستغلال سلوكك، وطريقة تجاوبك معها. أعرف أي من الزملاء يثير وجوده قلقا لديك عبر أقواله أو أفعاله - وعليك بالاستعداد والتصدي لذلك معنويا إن لزم الأمر. ثانيا: ضع تعريفك الخاص للنجاح حسب ما تراه ويناسبك، ولا تدع الآخرين يفرضون تعريفهم عليك. ولو اخترت عملا تتفانى فيه، فعليك بوظيفة تحقق فيها أفضل نجاح ومتعة. ولا تستمر في عمل لا يناسبك - فترك وظيفة لا يمكنك التعامل معها ليس علامة على الفشل بل على النضج والحكمة. ثالثا: احترم ما تراه أمامك من دلائل واحتفي بنجاحك. فالناجح الذي تنقصه الثقة ما إن يحرز هدفا إلا ويقلل من شأنه، ساعيا لرفع سقف التوقعات من نفسه أكثر. ولذا حين تنجح في إنجاز ما، تذكر كم كنت قلقا ألا تنجح، وكم من المرات نجحت رغم مخاوفك. وضع نصب عينيك ذلك كدلالة على نجاحك المستمر، فلا تخشى الفشل المرة القادمة.